حكايات الشويخ - الخامسة عشر: "ابن عم النبي وأول شهداء الآل الذي لا يعرفه الكثيرون.. عبيدة بن الحارث"
القسم الثاني: نجوم في سماء الصحابة
بجريدة الأنباء الدولية
بقلم: عثمان الشويخ
يا أهلاً بيكم في الحكاية الخامسة عشر من حكايات الشويخ.
قد يندهش الكثيرون من عنوان الحكاية واسم صاحبها لكن دي الحقيقة اللي بنحاول نكشفها معانا في حكايات الشويخ
دايماً بنقول إن التاريخ فيه أبطال وعظماء حقيقيين من الصحابة مظلومين، مش لأن دورهم كان صغير، لكن لأن الأضواء سابتهم وانشغلت بغيرهم. وصاحب حكايتنا النهاردة، سيدنا عبيدة بن الحارث، هو واحد من العمالقة دول اللي التاريخ بخل عليهم بالذكر الكافي، واختصر سيرته العظيمة كلها في مجرد مشهد مبارزة في غزوة بدر. والحقيقة إننا في حكايات الشويخ هدفنا الأساسي هو رد الاعتبار للرموز دي، لأن عبيدة مكنش بس مقاتل شجاع، ده كان من أوائل اللي فتحوا بيوتهم وقلوبهم للدعوة، وكان معروفاً بين العرب بجوده وكرمه، وإنه مأوى للأرامل واليتامى والمساكين قبل ما السيوف تطلع من أغمادها. إحنا بنحكي عنه عشان نرجع الحق لأصحابه، ونعرف إن اللي شالوا الإسلام في بدايته كانوا رجالاً من طراز فريد، إنسانيتهم سبقت شجاعتهم.
سيدنا عبيدة هو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، هاشمي من صلب بني عبد مناف والده هو الحارث بن عبد المطلب أكبر أبناء عبد المطلب، ولد بمكة وكان أسن من النبي بعشر سنوات، يعني كان بمثابة الأخ الأكبر والسند. أسلم في بداية الدعوة قبل دخول دار الأرقم، ومن أجمل المواقف اللي بتكشف معدن الإسلام في حياته إن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين بلال بن رباح، عشان يضرب أروع مثال في إزالة الفوارق الطبقية؛ فاجتمع سليل المجد الهاشمي مع بلال في أخوة الدين والهدف. ولأنه كان مخلصاً وصادقاً، تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بعد استشهاده من زوجته زينب بنت خزيمة، الملقبة بأم المساكين، وفاءً لذكراه ورعايةً لبيته.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى فيه القائد المحنك، نال عبيدة شرفاً لم ينله غيره؛ وهو حمل أول لواء يعقده المصطفى في الإسلام (على قول كثير من المؤرخين). ففي السنة الأولى للهجرة، خرج عبيدة على رأس ستين رجلاً من المهاجرين في مهمة استطلاعية وقتالية، والتقى بجيش المشركين بقيادة أبي سفيان عند ثنية المرة بالقرب من رابغ. ورغم إن عدد الكفار كان وقتها ضعف عدد المسلمين، إلا إن الثبات كان هو العنوان، وتبادل الفريقان رمي النبال في أول مناوشة عسكرية حقيقية بين الإيمان والكفر، ورجع عبيدة ورجاله هيبةً وقوة المسلمين، ليمهد الطريق لما هو أعظم.
وعلى ذكر الوفاء، سيدنا عبيدة فضل محفور في ذاكرة النبي صلى الله عليه وسلم لآخر لحظة؛ ففي غزوة الخندق لما نادى عمرو بن ود للمبارزة وخرج له الإمام علي بن أبي طالب، فتوجه صلى الله عليه وسلم بالدعاء وقال: "اللهم إنك أخذت مني عبيدة بن الحارث يوم بدر، وحمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وهذا علي فلا تدعني فرداً وأنت خير الوارثين".
وده بيبين لنا قد إيه كان فقد عبيدة جرح غائر في قلب المصطفى، لأنه كان أول شهيد يقدمه آل عبد المطلب في سبيل الله.
أما الملحمة الكبري اللي لازم نبروزها فهي قصة غزوة بدر.
لما خرج عتبة بن ربيعة وشيبة والوليد يطلبون المبارزة، وقالوا للنبي: أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، اختار النبي الصفوة من أهله وعزوته عشان يكونوا في المواجهة الأولى، فنادى: قم يا عبيدة، قم يا حمزة، قم يا علي. وقتها وقف عتبة وقال باعتراف بالحق: نعم، أكفاء كرام. بدأت المبارزة، فقتل علي الوليد، وقتل حمزة شيبة، أما عبيدة وكان وقتها عنده 63 سنة، فقد ضرب عتبة ضربة قوية، لكن عتبة أصاب ساق عبيدة فقطعها، فهجم الإمام علي وحمزة على عتبة وقتلاه، وحملوا عبيدة لمعسكر المسلمين وهو ينزف.
وفي مشهد يفيض بالرحمة والوفاء، استقبله النبي صلى الله عليه وسلم، ووضع رأس عبيدة على ركبته الشريفة، وجعل يمسح التراب عن وجهه بيديه.
وقتها نظر عبيدة لوجه النبي وهو يبتسم رغم ألم الجرح القاتل، وكأن رؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم وفرحة النصر أنسته أوجاعه، وقال بكلمات تملؤها العزة: يا رسول الله، لو كان أبو طالب حياً، لعلم أنني أحق الناس بقوله: "وننصره حتى نُصرّع حوله".
وهنا نذكر ما ورد عن الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، الذي كان يقسم إن قول الله تعالى: (هَذَانِ خَصْمَانِ اختَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ)، نزلت في هؤلاء الستة الذين تبارزوا يوم بدر.
وسيدنا عبيدة وهو في سكرات الموت، سأل النبي بوفاء عجيب: ألستُ شهيداً يا رسول الله؟ فرد النبي صلى الله عليه وسلم: بلى، وأنا الشاهد عليك. وقتها تذكر عبيدة قول عمه أبي طالب: "وننصره حتى نصرع حوله.. ونذهل عن أبنائنا والحلائل"
وقال شعره الخالد: "فإن تقطعوا رجلي فإني مسلمٌ.. أرجّي بها عيشاً من الله دانيا".
ومات رضي الله عنه في منطقة الصفراء وهو راجع من بدر، ليكون أول شهيد سقى غرس الإسلام بدمه من آل النبي.
ولأن إخلاص عبيدة كان نبراساً، وصدق عقيدته ملوش حدود، كان الجزاء من جنس العمل؛ فرب العزة سبحانه خلد ذكراه بقرآن يتلى آناء الليل وأطراف النهار، فنزلت فيه وفي أصحابه من شهداء بدر الآية الكريمة: (وَلَا تَقولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ).
والحقيقة إن استشهاد عبيدة مكنش مجرد حادثة في معركة، ده كان وفاءً بـ عهد عظيم ذكره الإمام علي بن أبي طالب في مواقفه، لما حكى عن ميثاق غليظ كان بينه وبين عمه حمزة وأخوه جعفر وابن عمه عبيدة، إنهم يوفوا لله ولرسوله بتقديم أرواحهم فداءً لهذا الدين، وقد كان.. فاستشهد عبيدة في بدر، وحمزة في أحد، وجعفر في مؤتة، ولحق بهم عليّ شهيداً في محرابه، ليثبتوا للعالم إن آل بيت النبي كانوا أول من يوفي بالعهود وأول من يقدم الدماء.
الرسالة من حكاية اليوم
هي إن التضحية بتبدأ من الأهل، النبي صلى الله عليه وسلم مقدمش الناس وقعد هو وأهله في الصفوف الخلفية،
بالعكس، قدم أحب الناس لقلبه في أول المواجهة. لازم نعرف أبطالنا ونحكي سيرتهم، عشان ندرك إن الأمة دي قامت بدم الرجال الأكفاء الكرام اللي زي سيدنا عبيدة، اللي كانت إنسانيتهم وكرمهم هما الوقود الحقيقي لشجاعتهم في الميدان.
لقد بذلت قصارى جهدي في جمع المعلومات وترتيبها والبحث عن الصحابة العظماء الذين يجهل سيرتهم للأسف الكثير منا، فإن كان من صواب فمن الله وإن كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه.
رمضان مبارك عليكم، واستنونا في الحكاية الجاية من حكايات الشويخ.





